الجصاص

51

الفصول في الأصول

متشاعرين ، يخبرون بخبر واحد عن أمر شاهدوه ، لما وقع لنا العلم بخبرهم ، إذا جوزنا عليهم التواطؤ ، وقد رأينا كثيرا من أهل هذه الأسواق هاهنا ببغداد متواطئين على تعارض الشهادات فيما بينهم ، وربما حضر منهم عشرون رجلا أو أكثر ، يشهدون لرجل على آخر بجناية في نفس ، أو عرض ، أو مال ، فلا يقع العلم بصحة خبرهم ، لجواز التواطؤ عليهم . فغير جائز إذا كان الأمر على ما وصفنا : أن يستدل بامتناع وقوع العلم بشهادة أربعة جاءوا مجتمعين : على أن كل عدد من المخبرين هذا مقداره لا يقع لنا العلم بصحة خبرهم . فإن قال قائل : فما تقول إن جاء هؤلاء الأربعة متفرقين يشهدون على رجل بالزنا . قيل له : نحوهم جميعا ، لأن شرط قبول الشهادة عندنا أن يحضروا جميعا ، فيشهدون مجتمعين ، وإلا كانوا قذفة . وكذلك قال الشعبي : لو شهد عندي مثل ربيعة ومضر متفرقين على رجل بالزنا لحددتهم جميعا . فإن قيل : فما تقول لو شهد عشرة أو أكثر على إقرار رجل بحق لرجل وجاءوا متفرقين . هل يقع لك العلم بصحة خبرهم ؟ وهل نحكم بشهادتهم ( 1 ) إذا كانوا فساقا ، لأجل ما وقع من العلم بصحة شهادتهم حتى جاءوا غير متشاعرين ، ولا يجوز على مثلهم التواطؤ فيه ؟ . قيل له : إن جاز وقوع مثل هذا في العدد الكثير من قوم مختلفي الهمم ، لا يجوز على مثلهم التواطؤ ، فليس يمتنع أن يقع العلم بصحة خبرهم ، إلا أنه لا اعتبار فيه بوقوع العلم حتى يكونوا عدولا مرضيين ، إذ قد يجوز عندنا أن يعلم الحاكم حقا لإنسان على غيره ، فلا يجوز له الحكم به ، وهو أن يكون قد علمه قبل أن يلي الحكم ، أو يعلمه في غير موضع حكمه ، ثم يصير إلى علمه ، أو يعلم شيئا مما يوجب حد الزنا ، أو السرقة ، أو شرب الخمر في علمه ، أو في مخبر علمه ، فيكون كواحد من الشهود يحتاج أن يشهد مع غيره عند حاكم سواه ، حتى يحكم به ، وإذا كان كذلك فلا اعتبار في إمضاء الحكم بوقوع العلم بخبرهم إذا لم يكونوا عدولا . وأيضا : فإن الاثنين فما فوقهما في الشهادة في الحقوق سواء ، والأربعة ومن فوقهم في الشهادة على الزنا سواء ، فلا اعتبار إذا فيها بكثر العدد . قال أبو بكر : واختلف الذين اعتبروا في شرط التواتر أكثر من أربعة .